الحرب تضغط على تحويلات الوافدين في الخليج البالغة 124 مليار دولار

الحرب تضغط على تحويلات الوافدين في الخليج البالغة 124 مليار دولار -- Jun 26 , 2026 13

يعتبر ستيف جيفري نفسه محظوظاً لأنه لا يزال قادراً على إعالة عائلته في كينيا، فهو واحد من بين نحو 30 مليون أجنبي يقيمون في الشرق الأوسط.

فجيفري، البالغ 38 عاماً، يعمل في شركة بمجال الضيافة في العاصمة القطرية الدوحة، ويحوّل ما يقرب من 150 ألف شلن (1159 دولاراً) شهرياً إلى زوجته وطفليه. يعادل هذا المبلغ نحو ضعف متوسط الدخل في كينيا، ما يمكّن عائلته من سداد رسوم الدراسة لشقيقه الأصغر، والنفقات الطارئة الأخرى.

وعن الحرب التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر وتعرضت خلالها مدن في مختلف دول الخليج لهجمات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، قال جيفري: "نواصل الدعاء ونأمل خيراً. لم تخطر العودة إلى الوطن ببالي بعد، فلن أعرف من أين أبدأ".

تبعات حرب إيران تنعكس على تحويلات العمالة الوافدة
سلطت الحرب الضوء على أحد أكبر مسارات الهجرة في العالم، ما يهدد تحويلات بمليارات الدولارات، ويختبر نموذجاً اقتصادياً يعتمد على العمالة الأجنبية في استمرار نشاط اقتصادات الخليج.


وبينما جرى اعتراض معظم الهجمات الإيرانية، فإن الحرب سببت اضطرابات في السفر والسياحة، وعطلت تدفق الصادرات عبر مضيق هرمز، ورفعت تكاليف الواردات، وزادت الضغوط على سلاسل الإمداد. كما اتخذت بعض الدول إجراءات لمساعدة السكان على تجاوز الأزمة، ومنها تأجيل سداد القروض، إلا أن انعدام الأمان الوظيفي تزايد على مستوى قطاعات مختلفة، بدءاً من الضيافة ووصولاً إلى البناء.

ورغم انخراط الولايات المتحدة وإيران في محادثات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سلام دائم خلال 60 يوماً، يتوقع اقتصاديون تباطؤ نمو الاقتصادات الكبرى في المنطقة هذا العام.

 

حوّل العمال الوافدون في دول الخليج الست إلى بلدانهم 124 مليار دولار في 2024 وفقاً للتقديرات، لإعالة عائلاتهم في مناطق بدءاً من آسيا ومروراً بمنطقة الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً ووصولاً إلى أفريقيا. وبدأت البيانات تعكس قلقهم، إذ كشفت "ويسترن يونيون" أن وتيرة التحويلات الخارجية من الشرق الأوسط قد تسارعت خلال المرحلة الأولى من الحرب.   


في الهند، حيث تمثل الإمارات وحدها مصدراً لنحو خُمس التحويلات القادمة، ارتفع حجم الأموال التي يحولها العمال في الخارج بأكثر من 28% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس. وسجلت بنغلاديش وسريلانكا ارتفاعات أيضاً.

تباين أثر الحرب على تحويلات العمالة من دول الخليج
ترى المحللة الاقتصادية لدى "إمكاي غلوبال سيرفيسز" (Emkay Global Services)، مادفي أرورا، أن تزايد الضبابية الناجمة عن الصراع "ربما أدى إلى ارتفاع كبير في التدفقات القادمة، مع مسارعة المغتربين إلى تحويل أموالهم إلى الهند لأغراض الأمان والسيولة".

لكن موجة المسارعة الأولية لم تكن متماثلة على مستوى البلدان المختلفة، فارتفعت التحويلات في الفلبين بأبطأ وتيرة منذ نحو أربع سنوات في أبريل، في إشارة مقلقة لبلد تمثل فيها التحويلات نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل 2.4 مليون من مواطنيها في الشرق الأوسط. 

 

وتظهر بيانات البنك المركزي الكيني ارتفاع التحويلات الخاصة من دول الخليج خلال مارس، مع مسارعة نحو 500 ألف عامل إلى تحويل الأموال إلى بلدانهم في بداية الحرب، قبل أن تنخفض بنسبة 18% في أبريل.


قال الرئيس التنفيذي لمنصة المدفوعات العابرة للحدود "أون أفريك" (Onafriq)، دارى أودجو، إن "هناك إشارات واضحة على ضغوط مالية"، فبينما ارتفعت أحجام المعاملات، فإن متوسط قيمتها انخفض بنحو 12%، كما أن تأخر صرف الأجور يدفع بعض العمال إلى السحب من المدخرات.

وتابع: "لأول مرة منذ الجائحة في 2020، يسحب ما يقدر بنحو 40% من المُحولين من مدخرات الطوارئ للحفاظ على مستويات التحويلات". مضيفاً: "يمثل ذلك صموداً هشاً؛ فنتوقع انخفاضاً حاداً في الحجم الإجمالي بمجرد استنزاف هذه المدخرات، والمتوقع أن يحدث بحلول الربع الثالث من 2026 حال استمرار الصراع". 

العمالة الوافدة ركيزة لمساعي تنويع الاقتصاد في الخليج
أصبح الخليج منطقة جاذبة للعمالة المهاجرة منذ أكثر من 50 عاماً، عندما عزز ارتفاع مبيعات النفط الإيرادات الحكومية، وأدى إلى موجة إنفاق ضخمة على البنية التحتية. ومع اقتران ذلك بحجم القوة العاملة المحلية المحدود نسبياً، فقد خلق طلباً متواصلاً على العمالة الأجنبية، استمر مع توسع اقتصادات المنطقة ونضوج القطاع الخاص في دولها.

وفي الآونة الأخيرة، سعت الدول الغنية بالسيولة إلى تنفيذ خطط طموحة لتنويع الاقتصاد، متطلعةً لبناء منظومات محلية في التمويل والتكنولوجيا والرعاية الصحية، وبشكل متزايد في الذكاء الاصطناعي.

شكلت الهجرة دعامة أساسية إلى حد كبير لهذه المساعي، فبنى العمال الأجانب جزءاً كبيراً من البنية التحتية الحديثة لدول الخليج، ولا يزالوا يشكلون غالبية العاملين في القطاع الخاص في عدد من دول الخليج.

غير أن الحرب تكشف مواطن ضعف كانت موجودة قبل اندلاعها بفترة طويلة؛ فمعظم دول الخليج توفر مسارات محدودة للحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية، وفي المقابل، لا يحظى العديد من العمال منخفضي الأجور إلا بفرص محدودة للحصول على إعانة البطالة أو المعونات الاجتماعية إذا فقدوا وظائفهم.

بعد مرور شهر على اندلاع الحرب، كشفت منظمة "هيومان رايتس وواش" (Human Rights Watch) أن بعض العاملين يواجهون صعوبة في تغطية "النفقات اليومية" بسبب الدخل المفقود، والتكاليف المرتفعة، والإمكانية المحدودة للوصول إلى الخدمات الاجتماعية وبرامج الرعاية. ودعت المنظمة حكومات دول الخليج إلى حماية العمالة الوافدة من خسارة الدخل، وتعويض العمال المتضررين، وضمان التزام أصحاب العمل بالالتزامات التعاقدية رغم الحرب.

المصدر:
بلومبرغ

انتهاء الحرب يخفف الضغط على سوق العمل
أوضح الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "راثا غلوبال" (Ratha Global)، ديليب راثا، أن "انخفاض التحويلات، أو أي نوع من المخاطر المرتبطة بالتحويلات سيُترجم مباشرة إلى ضائقة مالية واجتماعية".

من الناحية التاريخية، دعم ارتفاع أسعار النفط التوظيف ونمو الأجور على مستوى دول الخليج، لكن هذه المرة جاء ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب بسبب اضطرابات الإنتاج، وتضرر البنية التحتية، وتعطيل طرق التجارة، ما حد من المنافع التي تعود على العمال، بحسب تقرير للبنك الدولي.

على الجانب الآخر، يُتوقع أن تكثف حكومات دول الخليج الاستثمار في إعادة الإعمار، والشبكات اللوجستية، ومشروعات البنية التحتية التي تهدف إلى تعزيز القدرة التصديرية للنفط والغاز عبر مسارات بديلة لمضيق هرمز، ما قد يسهم في تخفيف الضغط على أسواق العمل.

مع ذلك، غالباً ما يتحمل العمال المهاجرون نصيباً غير متناسب من تداعيات التكيف في سوق العمل، خلال تسريحات الوظائف أو خفض ساعات العمل أو خسائر الدخل أو تقييد الحركة، وفقاً لمنظمة العمل الدولية. مشيرةً إلى أنه استناداً إلى أنماط الأزمات التاريخية في دول مجلس التعاون، فإن توظيف العمالة المهاجرة يتراجع بنسبة 4% مقابل كل انخفاض بنسبة 1% في توظيف المواطنين.


على المستوى العالمي، حوّل المهاجرون ما يزيد على خمسة تريليونات دولار إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل على مدى العقد الماضي، بحسب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية "إيفاد"، الوكالة التابعة للأمم المتحدة. وفيما يخص عديد من الاقتصادات النامية، فإن التحويلات تدعم الاستهلاك، وتحقق استقراراً لأسعار الصرف، وتمول الواردات، وتخفف ضغوط التمويل الخارجي.

اقرأ أيضاً: قطر تقلّص عدد العمال بأكبر منشأة لتصدير الغاز المسال في العالم

أي اضطراب يحدث في التحويلات ستتجاوز تبعاته نطاق المالية العامة بكثير، لا سيما مع انكفاء كبرى الدول المانحة على نفسها وتزايد ضغوط التضخم، وتجاوز تدفقات التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل مصادر أخرى مثل الاستثمار الأجنبي المباشر ومعونات التنمية الرسمية.

الدول النامية تولي أهمية متزايدة لتحويلات العاملين
تتجه التحويلات، على خلاف عديد من صور رأس المال الأخرى، إلى الأسر مباشرة، ما يساعدها على تلبية الاحتياجات الأساسية، بل وتغيير حياتها في حالات عديدة. فخلصت دراسة استمرت عقداً إلى أن العائلات التي تتلقى تحويلات في المناطق الريفية في تايلندا وفيتنام كانت على الأرجح الأكثر قدرة على تحمل تكلفة المراحيض المزودة بصناديق طرد المياه، ما حسن من الصرف الصحي، وحد من خطر إصابة الأطفال بالتقزم والهزال ونقصان الوزن.

كما تتزايد أهمية التحويلات لدى دول نامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بحسب راثا الذي أمضى 30 عاماً في متابعة التحويلات والهجرة وتمويل الجاليات المهاجرة في البنك الدولي، وأضاف أن "كلما صغر حجم الدولة وزاد فقرها وضعفها، ازدادت أهمية التحويلات باعتبارها طوق نجاة مالي".

لكن ليست كل المخاطر وشيكة الحدوث، حيث قال الرئيس التنفيذي لـ"ويسترن يونيون"، ديفين مكغراناهان، خلال مؤتمر الإعلان عن الأرباح أواخر أبريل: "من الناحية التاريخية، شهدنا أنماطاً مشابهة عكست مسارها لاحقاً حال استمرار الصراع لفترة ما، فكلما تراجعت الهجرة إلى المنطقة، تناقصت الفرص الاقتصادية أمام الأفراد، وبذلك، يبدأ الحجم الإجمالي للتحويلات الخارجية في الانخفاض".

العمالة الوافدة في الخليج.. ما بين الفرص وعدم اليقين
يوضح جنوب آسيا حجم الهشاشة، إذ يعمل نحو 9 ملايين عامل من دول المنطقة في الخليج، 90% منهم من العمالة التي لا تحتاج قدراً كبيراً من التعليم، ويتقاضون أجوراً أقل من مهاجرين من دول أخرى بشكل عام، بحسب الاقتصادي الأول لدى البنك الدولي باتريك كيربي.

وتابع: "هذا يعني أن لديهم أدنى قدر من المرونة المالية لاستيعاب فقدان الدخل، وأن لدى عائلاتهم في أوطانهم أقل مدخرات احتياطية يمكن الاعتماد عليها".

يجسد ساتيش راجان، مدرب السباحة الهندي الذي يعمل في قطر، الفرص التي قد تهيئها العمالة الوافدة، وفي الوقت نفسه الضبابية التي قد يسببها اندلاع الصراع من جديد.

وأوضح راجان: "كان أكبر أحلامي دوماً هو بناء منزل تكاليفه مسددة بالكامل، وتمكنت من تحقيقه فعلياً بعد سنوات من العمل الجاد"، مضيفاً أنه يحوّل ما يقرب من 30 ألف روبية (318 دولاراً) إلى بلاده شهرياً.

وبينما رحب راجان بمحادثات السلام، قال "لم نتوقع قط استمرار المحنة كل هذه المدة، وتحت الارتياح الظاهر، يظل القلق المستمر قائماً".

أقرأ أيضاَ

حركة الملاحة في مضيق هرمز تنتعش لكنها لا تزال دون المعدلات الطبيعية

أقرأ أيضاَ

واشنطن تمضي في صفقة دفاعية مع أنقرة